جوزيف س. ناي، الابن

جوزيف س. ناي، الابن

كاتب أميركي وأستاذ في جامعة هارفارد

كثيرا ما أسافر إلى الخارج، ودائما يسألني أصدقائي الأجانب بدرجات مختلفة من الحيرة: ما هذا الذي يحدث في بلدكم؟ وإليكم ما أجيبهم به.

أولا، لا تسيئوا تفسير انتخابات عام 2016. فعلى النقيض مما تقترحه بعض التعليقات، لم تجرف موجة من الشعبوية النظام السياسي الأميركي. صحيح أن تاريخنا عامر بالتمرد ضد النُخَب. وقد استغل دونالد ترمب تقليدا مرتبطا بزعماء مثل أندرو جاكسون وويليام جينينجز بريان في القرن التاسع عشر وهيوي لونغ وجورج والاس في القرن العشرين.

ولكن رغم هذا، فإن ترمب خسر التصويت الشعبي بنحو ثلاثة ملايين صوت. وقد فاز في الانتخابات عبر توظيف السخط الشعبي في ثلاث من ولايات حزام الصدأ (ميشغان، وبنسلفانيا، وويسكونسن) التي كانت تعطي أصواتها في السابق للديمقراطيين. ولو صوت مائة ألف فقط بشكل مختلف في هذه الولايات، فإن ترمب كان سيخسر المجمع الانتخابيوالرئاسة.

أقول لأصدقائي الأجانب إنهم لا ينبغي لهم أن يستهينوا بالمهارات التي يتمتع بها ترمب في مجال الاتصال. فكثيرون يشعرون بالاستياء الشديد من عواصف تغريداته وتجاهله الفاحش للحقائق. ولكن ترمب متمرس في مجال تلفزيون الواقع، حيث تعلم أن المفتاح إلى النجاح يتمثل في الاستيلاء على انتباه المشاهدين، وأن الطريق للقيام بذلك يتلخص في إطلاق تصريحات متطرفة، وليس مراعاة الحقيقة


بيد أن انتصار ترمب يشير إلى مشكلة حقيقية تتمثل في التفاوت الاجتماعي والإقليمي بالولايات المتحدة. والواقع أن كتاب جيه. دي. فانس الذي حقق أفضل مبيعات مؤخرا بعنوان "مرثاة ريفية" يصف بإقناع الفارق الشاسع بين كاليفورنياوأبالاشيا.


ويبين البحث الذي أجراه الخبيران الاقتصاديان آن كيس وأنجوس ديتون من جامعة برينستون أن الاتجاهات الديموغرافية بين المواطنين من ذوي البشرة البيضاء والدخل المنخفض، والذين لا يحملون شهادات جامعية؛ أصبحت أسوأ من نظيرتها بين المواطنين الأميركيين من أصل أفريقي، الذين ارتبطوا تاريخيا بالطرف الأدنى من التفاوت المتطرف.

ففي عام 1999، كان معدل الوفيات بين المواطنين الأميركيين من ذوي البشرة البيضاء الذي لا يحملون شهادات جامعية أقل بنحو 30% من المعدل بين الأميركيين من أصل أفريقي؛ وبحلول عام 2015 أصبح معدل الوفيات بينهم أعلى بنحو 30%.

وعلاوة على ذلك، سجلت الوظائف في قطاع الصناعات التحويلية -الذي كان ذات يوم المصدر الرئيسي للوظائف العالية الأجر لأبناء الطبقة العاملة من ذوي البشرة البيضاء- انخفاضا حادا على مدار الجيل الماضي إلى 12% فقط من قوة العمل.

وقد انجذب هؤلاء الناخبون الديمقراطيون سابقا إلى وعود ترمب بتغيير الأوضاع وإعادة وظائف التصنيع. ومن عجيب المفارقات أن الجهود التي يبذلها ترمب لإلغاء تشريع الرعاية الصحية الذي رعاه أوباما من شأنها أن تجعل حياتهم أسوأ كثيرا.

ثانيا، أقول لأصدقائي الأجانب إنهم لا ينبغي لهم أن يستهينوا بالمهارات التي يتمتع بها ترمب في مجال الاتصال. فكثيرون يشعرون بالاستياء الشديد من عواصف تغريداته وتجاهله الفاحش للحقائق. ولكن ترمب متمرس في مجال تلفزيون الواقع، حيث تعلم أن المفتاح إلى النجاح يتمثل في الاستيلاء على انتباه المشاهدين، وأن الطريق للقيام بذلك يتلخص في إطلاق تصريحات متطرفة، وليس مراعاة الحقيقة.

ويساعده موقع تويتر على تحديد الأجندة وتشتيت انتباه المنتقدين. وما يثير حفيظة المعلقين في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية لا يزعج مؤيديه. ولكن عندما يتحول من حملته الدائمة المتمركزة حول ذاته إلى محاولة مزاولة الحكم، يُصبِح تويتر سيفا ذا حدين ربما يردع حلفاء مهمين.

وثالثا، أقول لأصدقائي إنهم ينبغي لهم ألا يتوقعوا سلوكا طبيعيا. فعادةً يتحرك الرئيس الذي يخسر التصويت الشعبي باتجاه الوسط السياسي لاجتذاب أي قدر إضافي من الدعم. وهذا هو ما قام به جورج بوش الابن بنجاح في عام 2001. وعلى النقيض من ذلك، يعلن ترمب أنه فاز بالتصويت الشعبي، ويتصرف وكأنه فعل ذلك حقا، ويحتكم إلى قاعدته من الناخبين.

وفي حين اختار ترمب شخصيات وسطية راسخة لتعييناته في وزارات الدفاع والخارجية والأمن الداخلي، فإن اختياراته لهيئة الحماية البيئية ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية كانت من متطرفين من الحزب الجمهوري. وينقسم موظفو البيت الأبيض بين براغماتيين وإيديولوجيين، وهو يسترضي الجانبين.

رابعا، لا ينبغي لأحد أن يقلل من شأن المؤسسات الأميركية. في بعض الأحيان يتحدث أصدقائي وكأن السماء تتساقط على الأرض، ويتساءلون ما إن كان ترمب نرجسياً خطيراً مثل موسيليني. وأقول لهم: لا تفزعوا. فالولايات المتحدة -رغم كل مشاكلها- ليست إيطاليافي عام 1922. وكثيرا ما تُستَقطَب نخبنا السياسية الوطنية؛ ولكن هكذا كانت حال مؤسسي أميركا أيضا.

لا نزال في مرحلة مبكرة من رئاسة ترمب. ولا يمكننا أن نجزم يقينا بما قد يحدث بعد وقوع هجمة إرهابية كبيرة مثلا. ولكن حتى الآن، نجحت المحاكم والكونغرس والولايات في ضبط وموازنة تحركات الإدارة، تماما كما اعتزم ماديسون. ويضيف موظفو الخدمة المدنية الدائمون في الإدارات التنفيذية ثِقَل الموازنة اللازم


في تصميم الدستور الأميركي، لم يكن هدف المؤسسين ضمان الحكومة المتناغمة، بل تقييد السلطة السياسية بنظام من الضوابط والتوازنات جعل من الصعب ممارستها. تقول المزحة إن المؤسسين خلقوا نظاما سياسيا جعل من المستحيل على الملك جورج أن يحكمنا، أو على أي شخص أن يبالغ في محاولة السيطرة علينا. وبهذا وُضِع القصور في خدمة الحرية.

لا نزال في مرحلة مبكرة من رئاسة ترمب. ولا يمكننا أن نجزم يقينا بما قد يحدث بعد وقوع هجمة إرهابية كبيرة مثلا. ولكن حتى الآن، نجحت المحاكم والكونغرسوالولايات في ضبط وموازنة تحركات الإدارة، تماما كما اعتزم ماديسون. ويضيف موظفو الخدمة المدنية الدائمون في الإدارات التنفيذية ثِقَل الموازنة اللازم.

وأخيرا، يسألني أصدقائي: ما الذي قد يعنيه كل هذا للسياسة الخارجية الأميركية والنظام الدولي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عام 1945؟ بصراحة، لا أدري، ولكن صعود الصين لا يقلقني بقدر ما يقلقني صعود ترمب.

في حين كان قادة أميركيون -بما في ذلك أوباما- يشتكون من الراكبين مجانا؛ حملت الولايات المتحدة فترة طويلة لواء المبادرة في توفير المنافع العامة العالمية: الأمن، والعملة الاحتياطية الدولية المستقرة، والأسواق المفتوحة نسبيا، والإشراف على مشاعات الكرة الأرضية.

ورغم المشاكل التي تعيب النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كان العالَم في ازدهار وكان الفقر في انحدار في ظِله. ولكن لا يستطيع المرء أن يجزم باستمرار هذا النظام. وسيكون لزاما على الولايات المتحدة أن تتعاون مع الصين وأوروبا واليابان وقوى أخرى لإدارة المشاكل العابرة للحدود الوطنية.

خلال الحملة الانتخابية في عام 2016، كان ترمب أول مرشح رئيسي عن حزبه في سبعين عاما يشكك في نظام التحالف الأميركي. ومنذ تولى منصبه في يناير/كانون الثاني الماضي، تشير تصريحاته وتعييناته إلى أنه من المرجح أن يستمر. ذلك أن قوة أميركا الصارمة والناعمة تنبع إلى حد كبير من حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة لديها نحو ستين حليفا (في حين تحظى الصين بقِلة قليلة من الحلفاء).

بيد أن استقرار المؤسسات المتعددة الأطراف التي تساعد في إدارة الاقتصاد العالمي والمشاعات العالمية ليس مؤكدا بنفس القدر. يتحدث مدير ميزانية ترمب عن ميزانية القوة الصارمة، وعن خفض تمويل وزارة الخارجية والأمم المتحدة.

ويدعو مسؤولون آخرون إلى الاستعاضة عن الاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف باتفاقيات ثنائية "عادلة ومتوازنة". ويتبرأ ترمب من الجهود التي بذلها أوباما لمعالجة تغير المناخ. وأقول لأصدقائي: أتمنى لو أستطيع أن أطمئنكم عندما يتعلق الأمر بمثل هذه القضايا، ولكنني لا أستطيع.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات