يونس بلفلاح

يونس بلفلاح

كاتب وأكاديمي مغربي مقيم بفرنسا

لوبان.. الصعود والمنافسون
لوبان وعقدة الدور الثاني

يقترب موعد الانتخابات الرئاسية بفرنسا وتزداد حرارة المشهد السياسي في انتخابات ينتظر منها أن تغير وجه فرنسا الداخلي والخارجي، خاصة أنها تأتي في ظرفية خاصة فرضتها الظرفية العالمية بصعود تيارات يمينية وشعبوية.

فنجاح دونالد ترمب في الانتخابات الأميركية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كلها عوامل تلقي بظلالها على الساحة السياسية الفرنسية، كما تتزامن الانتخابات الرئاسية الفرنسية مع استحقاقات انتخابية أوروبية خلال السنة الجارية في كل من هولاندا والنمسا وألمانيا.

استفادت لوبان من عوامل متعددة جعلت مسارها ميسرا لتصبح أبرز المرشحين للرئاسيات، رغم الانتقادات الواسعة التي توجه إلى برنامجها الانتخابي الذي يشكل خطرا جسيما على الاقتصاد والمجتمع الفرنسي


وفي ذات النطاق، تطرح في فرنسا مجموعة من التساؤلات تخص قضايا بنوية عميقة داخل المجتمع الفرنسي كالهجرة والاندماج والإسلام، والإصلاح والتنافسية الاقتصادية. ناهيكم عن المشاكل الاجتماعية المتعلقة بنسب الفقر والتهميش المتزايدة، وتصاعد البطالة وغلاء المعيشة، بالإضافة إلى مسألة اللاجئين وانتشار الإرهاب والتطرف التي تطفو على السطح الأوروبي عامة والفرنسي خاصة.

وتشير جميع استطلاعات الرأي إلى تفوق مرشحة اليمين المتطرف وزعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبان في الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية المقررة يوم 23 أبريل/نيسان الجاري على باقي المرشحين، رغم تقارب أربعة مرشحين من 11 مشرحا لذات الانتخابات، وهم: مارين لوبان وإيمانيول ماكرون، وفرانسوا فيون وجون لوك ميلونشون.

لوبان.. الصعود والمنافسون
تعتبر مارين لوبان أبرز امرأة سياسية في فرنسا بعد أن تهيأت للعمل السياسي منذ صغرها، فهي ابنة مؤسس الجبهة الوطنية وأحد أشهر اليمينيين في أوروبا جون ماري لوبان الذي روج لأفكار قومية متطرفة وصلت إلى حد العنصرية والفاشية ومعاداة السامية.

وكانت المفاجأة الكبرى لهذا الحزب في وصوله إلى الدور الثاني من الانتخابات الفرنسية عام 2002 عندما تقابل لوبان الأب مع جاك شيراك، فتهيأت فرنسا لمواجهة اليمين المتطرف ونجح شيراك إبانها بأغلبية ساحقة ناهزت 82%.

عمل لوبان على صعود ابنته مارين وتبوئها عدة مناصب داخل الحزب وتقديمها مرشحة في الانتخابات البلدية والجهوية والبرلمانية والأوروبية، وحدثت النقلة الكبرى عندما أصبحت زعيمة للحزب سنة 2011 بديلة لأبيها الذي صار رئيسا شرفيا.

أحدثت مارين لوبان تغييرات داخل الحزب بإعادة هيكلته والتخلص من الحرس القديم التابع لأبيها، واستبدله بوجوه جديدة وشابة آتية من أوساط فرنسية راقية كخريجي المدارس الفرنسية العليا وبعض رواد الأعمال من ذوي النزعة اليمينية، كما تبنت خطابا مغايرا لأبيها اتسم بمخاطبة الفرنسيين عبر مناقشة همومهم الاقتصادية والاجتماعية، فحقق حزبها قفزات كبيرة مطردة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والجهوية.

وبذلك استفادت لوبان من عوامل متعددة جعلت مسارها ميسرا لتصبح أبرز المرشحين للرئاسيات، رغم الانتقادات الواسعة التي توجه إلى برنامجها الانتخابي الذي يشكل خطرا جسيما على الاقتصاد والمجتمع الفرنسي.

فخطابها يدعو إلى السيادة الفرنسية ومناهضة العولمة، كما يعادي الهجرة والفرنسيين ذوي الأصول العربية، ويعِد بمحاربة مظاهر التدين وبتشديد الممارسات الأمنية، وتقييد عمل المهاجرين عبر زيادة الضرائب على المؤسسات الفرنسية التي توظف أجانب، وبزيادة ساعات العمل وتوطين العديد من القطاعات الاقتصادية التي تهتم بالتصنيع.

في ظل الزخم الكبير من وعود المترشحين الانتخابية وتباين برامج المرشحين؛ يكثر الحديث عن حظوظ مارين لوبان في تصدر الانتخابات، وقدرتها على مجابهة منافسيها وتجاوز العراقيل التي تحيط بها


تعِد لوبان كذلك بتقديم محفزات ورفع تعويضات المتقاعدين الذين طالما شكلوا كتلة انتخابية لحزب الجبهة الوطنية، وتقدم خطابا شعبويا يتعهد بتنظيم استفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي شبيه بـ"البريكسيت"، وبمراجعة اتفاقيات التبادل الحر مع العديد من دول العالم.

وفي المقابل، يقدم فرنسوا فيون برنامجا انتخابيا بطابع ليبرالي أعطى فيه حصة كبيرة لقطاع الأعمال عبر تعديل ساعات العمل وزيادة ساعات العمل الأسبوعية، مع جعل قوانين العمل أكثر مرونة، وتمويل وتشجيع إنشاء المقاولات وتخفيض معدلات الضريبة على الشركات. لكن فيون متهم بالفساد المالي عبر توظيف زوجته وأبنائه خلال فترة توليه الوزارة الأولى في فرنسا وإعطائهم تعويضات وهمية.

أما المرشح بنوا هامون -وهو من أشد المعارضين للرئيس الحالي فرانسوا هولاند في الحزب الاشتراكي- فقد نجح في تجاوز أسماء يسارية بارزة مثل رئيس الوزراء مانويل فالس، لكنه قدم برنامجا انتخابيا يوصف بالحالم والبعيد عن الواقع، فقد وعد مثلا بإعطاء دخل شامل لكل الفرنسيين كيفما كانت وضعيتهم من أجل حياة كريمة.

وهناك تقارب كبير بين برنامج هامون وبرنامج جون لوك ميلونشون المنشق عن الحزب الاشتراكي، والذي ينسج علاقات كبيرة مع المجتمع المدني الفرنسي في قضايا الاندماج والهجرة والتدين بفرنسا، كما يقدم أطروحة متكاملة لتخفيض معدلات الفقر وغلاء الأسعار.

ويبقى الاستثناء الكبير ممثلا في وجود مرشح شاب له مسار مختلف، ويتعلق الأمر بإيمانويل ماكرون وزير الاقتصاد السابق ومستشار الرئيس هولاند سابقا، وأحد أبرز منافسي لوبان على المركز الأول في الانتخابات الرئاسية.

فالرجل -ذو الخلفية الاقتصادية والتجربة المهنية في عالم المال والأعمال- يعرض رؤية مخالفة لما هو موجود في فرنسا، إذ يقدم نموذجا اقتصاديا ينبني على الليبرالية الاجتماعية ويشابه حالة الدول الإسكندنافية، ويشدد على ضرورة الانفتاح وتشجيع القطاع الخاص وريادة الأعمال مع الحفاظ على الحماية الاجتماعية.

ويعتبر برنامج ماكرون الانتخابي أكثر قربا للواقعية، ومواقفه معتدلة في مسألة العلمانية والهجرة والهوية، فهو يحظى بدعم مجتمع المال والأعمال، وبتأييد شخصيات يسارية ويمينية لكونه يقنع اليسار بأفكار تقدمية واليمين بأفكار ليبرالية.

وفي ظل هذا الزخم الكبير من الوعود الانتخابية وتباين برامج المرشحين؛ يكثر الحديث عن حظوظ مارين لوبان في تصدر الانتخابات، وقدرتها على مجابهة منافسيها وتجاوز العراقيل التي تحيط بها.

لوبان وعقدة الدور الثاني
تبدو حظوظ لوبان في تجاوز الدور الأول للانتخابات الفرنسية وافرة جدا، فاستطلاعات الرأي ترجح كفتها والتجارب السابقة أظهرت قدرتها على تجاوز الأدوار الأولى في الانتخابات البرلمانية والجهوية، لكنها -في الوقت نفسه- أكدت عجزها عن الفوز في الدور الثاني أيا كان المرشح ومهما كان انتماؤه السياسي.

أصبحت لوبان وحزبها أرانب سباق يتمنى كل مرشح أن يواجهها في الدور الثاني، لأنه مدرك تماما قدرته على تجاوزها بالحصول على أصوات المترددين، وعلى الأغلبية الصامتة التي لا تشارك في استطلاعات الرأي، والتي تحسم بشكل كبير السباق إلى الإليزيه


وهكذا أصبحت لوبان وحزبها أرانب سباق يتمنى كل مرشح أن يواجهها في الدور الثاني، لأنه مدرك تماما قدرته على تجاوزها بالحصول على أصوات المترددين، وعلى الأغلبية الصامتة التي لا تشارك في استطلاعات الرأي، والتي تحسم بشكل كبير السباق إلى الإليزيه.

فالدور الثاني له حسابات أخرى؛ إذ تظهر تحالفات مغايرة تجعل اليسار مؤيدا للجمهوريين -وكذلك العكس- لمواجهة اليمين المتطرف، الذي يعاني من العزلة وعدم قدرته على وضع مشروع مجتمعي قادر على توحيد الصفوف، أو نسج علاقات سياسية مع باقي التيارات الرئيسية.

هذا علاوة على أن أطروحة الخروج من الاتحاد الأوروبي -التي تمثل محور برنامج لوبان- تثير فزع العديد من الأوساط الفرنسية وخاصة رجال الأعمال، ناهيكم عن الاتهامات التي تلاحقها بإعطاء تعويضات كبيرة لمساعِدتها البرلمانية وتوظيف حارسها الشخصي باعتبارها نائبة في البرلمان الأوروبي، وكذلك اتهامها بالحصول على تمويل روسي لحملتها الانتخابية.

إضافة إلى كل ما سبق، فإن العديد من الأصوات -خاصة ذات الأصول المهاجرة العربية والأفريقية واليهودية- تظهر استعدادها للتصويت لأي مرشح ما عدا لوبان.

ورغم الحاجة الكبيرة إلى جمهورية سادسة بإصلاحات عميقة وعقد اجتماعي جديد قادر على موجهة التحديات العالمية والإقليمية والداخلية لفرنسا؛ فإن كل المؤشرات تؤكد أن حلم وصول اليمين المتطرف للحكم صعب المنال، ويبقى بذلك وصول لوبان إلى الإليزيه مؤجلا حتى إشعار آخر.

وإجمالا، تبقى العروض السياسية الفرنسية متواضعة ولا تحظى بالرضا الكامل للمصوتين؛ فالظروف الداخلية والخارجية تستلزم تغييرات جذرية وثورة نوعية على الممارسات الماضية.

فكثير من المثقفين والمفكرين الفرنسيين يتحدثون عن ضرورة إيجاد وثيقة دستورية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحديات السياسية والأمنية والخارجية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل ضبابية المشهد العالمي بغياب قيادة واضحة، وتصاعد قوى اقتصادية وسياسية كروسيا والصين، والتساؤل عن جدوى التكتلات الاقتصادية كمشروع الاتحاد الأوروبي لذي اعتبِر مشروع القرن في بداية الألفية الثالثة.

وتظل الاختيارات صعبة أما المصوتين الفرنسيين، فقد شهدت جولات الانتخابات منذ بداية القرن الحالي تصويتا عقابيا -وأحيانا تصويتا غير حر- يجبر الفرنسيين على اختيار المرشح الأقل خطرا والأخف ضررا في مواجهة اليمين المتطرف، لكن التنافس في هذه الانتخابات حادٌّ جدا باعتباره مصيريا في تاريخ فرنسا، وحتى موعد الجولة الثانية من الانتخابات -في مايو/أيار القادم- تبقى كل الاحتمالات واردة.

المصدر : الجزيرة