محمد هنيد

محمد هنيد

​أكاديمي وباحث تونسي

نشأة الظاهرة
العوامل الدافعة
أولوية الاستحقاقات الخارجية

برنامج المرشح ماكرون 

تنفرد الانتخابات الرئاسية الفرنسية -التي ستجرى دورتها الأولى في 23 أبريل/نيسان الجاري- بخاصية أساسية، وهي انعدام القطبية الحادة التي ميزت الرئاسيات الفرنسية خلال مختلف مراحلها، وذلك لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة.

إن انتهاء التنافس القطبي الثنائي بين معسكر اليمين ومعسكر اليسار يتجلى -بأوضح صورة- في بروز ظاهرة المرشح مانويل ماكرون الذي يعدّ فعلا مفاجأة الانتخابات الرئاسية الحالية.

هذا المرشح الأوفر حظا للفوز بالرئاسيات لم يكن -إلى وقت قريب- معروفا لدى عامة الفرنسيين أو لدى أبرز المراقبين، وهو ما يشجع على قراءة هذه الظاهرة الفرنسية سياسيا، وبحث الجذور الحقيقية التي أفرزت المشهد الانتخابي الجديد وصاغت خصائصه.

نشأة الظاهرة
لم يكن لأبرز مراكز البحوث ومعاهد سبر الآراء أن تتوقع بزوغ نجم هذا الشاب وبهذه السرعة في سماء الحياة السياسية الفرنسية، التي ظلت لعقود وفية لثنائية كبار السياسيين من اليمين واليسار.

ففي شهر مارس/آذار 2016 أعلن ماكرون دعمه لترشح الرئيس الاشتراكي الحالي فرانسوا هولاند لرئاسيات 2017، لكنه بعد ذلك بشهرين أنشأ حركة "إلى الأمام" معلنا عزمه الترشح إلى الرئاسيات، وقد عُدّت هذه الخطوة -عند المعسكر اليساري حينها- خيانة للعائلة الاشتراكيةالفرنسية الموسعة.

مارس/آذار 2016 أعلن ماكرون دعمه لترشح الرئيس الاشتراكي الحالي فرانسوا هولاند لرئاسيات 2017، لكنه بعد ذلك بشهرين أنشأ حركة "إلى الأمام" معلنا عزمه الترشح إلى الرئاسيات، وقد عُدّت هذه الخطوة -عند المعسكر اليساري حينها- خيانة للعائلة الاشتراكية الفرنسية الموسعة


لم يكن المصرفي الشاب بغريب عن المشهد السياسي الفرنسي؛ فقد شغل منصب "وزير الاقتصاد والصناعة والاقتصاد الرقمي" خلال 2014-2016، وتولى قبلها منصب نائب الأمين العام للرئاسة 2012-2014، وهي كلها خطوات مكنته من التموقع داخل المشهد الكبير لآليات الممارسة السياسية الفرنسية.

من جهة أخرى؛ يندرج تكوين ماكرون ضمن الخط الكلاسيكي الذي يضبط سلّم التدرج الوظيفي في الحياة السياسية الفرنسية. فالخلفية المالية والمصرفية للمترشح الرئاسي تبدو ذات وزن حاسم في هذا الصعود الصاروخي أمام منافسين بالحجم الثقيل.

يضاف إلى ذلك مروره بالمؤسسة المالية الأبرز في فرنسا وفي العالم، وهي مؤسسة "روتشيلد" الذائعة الصيت في صياغة السياسة ونحت السياسيين بأوروبا كلها، وهو أيضا خريج "المعهد الوطني للإدارة" وخريج المدرسة اليسوعية الخاصة.

بناء على هذا المسار؛ يمكن تصنيف المرشح الفرنسي الجديد على واجهتين، أما الأولى فتجعل منه منتوجا كلاسيكياً لمسار رجل السياسة الفرنسي من جهة الدراسة والتكوين، وكذا من جهة التجربة السياسية.

وأما الثانية فتُظهره في صورة المرشح الأبرز للرئاسيات، وفيها يبدو عنصر المفاجأة أكثر جلاءً باعتبار قصر تجربته السياسية مقارنة ببقية المرشحين، وحتى صغر سنه (39 سنة) مقابل كبار الساسة المخضرمين.

لا يمكن من ناحية أخرى أن نغفل أن الظاهرة السياسية للمرشح ماكرون لا تستمد وجودها في الحقيقة من المرشح نفسه بقدر ما تستمده من خصوصية السياق الفرنسي انتخابيا وسياسيا واقتصاديا، ومن خصوصية السياق الأوروبي والدولي بشكل عام. أي أن دور العوامل الخارجية كان حاسما في دفعه إلى مقدمة السباق الانتخابي فجأة.

العوامل الدافعة
في السياق الداخلي؛ مثّل فشل الرئيس الاشتراكي هولاند في الخروج بفرنسا من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، عاملا دافعا للمرشح الجديد من أجل تحقيق هدفين لا ينفصلان: يتمثل الأول في الإبقاء ولو رمزيا على انتمائه الاشتراكي، باعتبار صدوره أولا من البوابة الاشتراكية للحياة السياسية الفرنسية بعد أن منحه الرئيس الحالي فرصة دخول المعترك السياسي العام.

وأما الهدف الثاني فيتثمل في القدرة على مغادرة المعسكر الاشتراكي بما يسمح له بعدم تحمل تبعات النتائج الكارثية لحكم الاشتراكيين، والقدرة على المناورة أيضا داخل المعسكر اليميني المقابل.

أما من زاوية المعسكر اليميني فقد أعطت الفضائح المالية والإعلامية للمرشح فرانسوا فيون دفعة كبيرة لحظوظ ماكرون من أجل احتلال مركز متقدم في الرئاسيات القادمة. فإلى حدود أسابيع قليلة ماضية كان فيون يعد الأوفر حظا للفوز بقصر الإليزيهقبل أن "يُغتال إعلاميا وانتخابيا" كما عبر هو عن ذلك في مناسبات عديدة، مؤكدا تحالف قوى عديدة لمنعه من الوصول إلى كرسي الرئاسة.

من زاوية المعسكر اليميني فقد أعطت الفضائح المالية والإعلامية للمرشح فرانسوا فيون دفعة كبيرة لحظوظ ماكرون من أجل احتلال مركز متقدم في الرئاسيات القادمة. فإلى حدود أسابيع قليلة ماضية كان فيون يعد الأوفر حظا للفوز بقصر الإليزيه قبل أن "يُغتال إعلاميا وانتخابيا" كما عبر هو عن ذلك في مناسبات عديدة

أما بقية المكونات السياسية فرغم قدرتها على إحداث المفاجئة -بحكم بقاء حظوظها قائمة- فإن السياق العام أوروبيا وعالميا لا يشجع على ترجيح فوزها بالرئاسيات.

فبالنسبة لحزب الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان (ابنة الزعيم التاريخي للحزب) فإنه لا يعبر عن المزاج العام للناخب الفرنسي، بسبب تآكل الشعارات الانتخابية التي لم تخرج عن شيطنة المهاجرين، ومعاداة العرب والمسلمين، وتحميل الغير كل أسباب الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

فحتى مسألة الخروج من منطقة اليورو واستعادة العملة الفرنسية وغيرها من النقاط الانتخابية لم تعد تغري القسم الأكبر من الناخبين الفرنسيين، بسبب غياب الآليات العملية القادرة على تحويل هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.

أما ما يخص الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الذي يمثله بنوا هامون فهو لا يشكل تهديدا جديا، رغم ما حققه من انتصارات كبيرة خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي وفوزه العريض على المرشح مانويل فالس.

فمثالية البرنامج الانتخابي للسيد هامون فيما يتعلق بمشاكل اجتماعية عميقة، مثل قانون العمل أو الحد من التعويل على الطاقة النووية أو غيرها من المسائل الاقتصادية، إضافة إلى فشل الرئيس الاشتراكي الحالي في تجاوز الأزمة الاقتصادية؛ تمثل كلها حواجز مرتفعة أمام المرشح الاشتراكي.

أما المرشح الراديكالي وممثل جبهة اليسار جان لوك ميلانشون فرغم قدراته الخطابية الكبيرة وتاريخه السياسي الطويل -مقارنة ببقية المرشحين- فإنه يبقى "شعبويا"، كما يصفه خصومه السياسيون خاصة من اليمين.

فحديثه عن "جشع الأغنياء" وعن "سطوة النظام المالي العالمي وهيمنة البنوك" لا يمثل في الحقيقة برنامجا قادرا على مواجهة الأزمة الفرنسية الخانقة، رغم أنه خطاب يداعب مشاعر الناخب الفرنسي ذي الميول الاشتراكية الطبيعية لكنه لا يقنعه.

أولوية الاستحقاقات الخارجية
من زاوية ثانية؛ يكاد المراقبون يجمعون على أن الدور الخارجي- أو بتعبير أدق على أن السياق الخارجي- أوروبياً ودولياً يلقي بظلاله الكثيفة على الانتخابات الفرنسية ومخرجاتها.

فأوروبياً لا يمكن لفرنسا أو للرئيس الفرنسي المقبل أن يتحرك خارج الظروف الأوروبية الحالية، لا سيما بعد مغادرة بريطانيا مؤخرا اتحاد القارة العجوز وتغوّل الاقتصاد الألماني داخل نفس الهيكل. فبين طرفيْ النقيض هذين يوجد هامش المناورة الفرنسي، أي بين الحفاظ على الانتماء الأوروبي -الذي يمد فرنسا بقوتها القارية- والقدرة على مجابهة الغول الاقتصادي والصناعي الألماني.

على تخوم المنزل الأوروبي تحاول فرنسا جاهدة الحدّ من سطوة الدبّ الروسي الذي نجح في استمالة زعيمة اليمين المتطرف لوبان، وفي التحالف المعلن مع فيون زعيم اليمين، وهو ما يجعل الحضور الروسي ثقيلا في كواليس السياسة الفرنسية.

فبعد تعنّت لم يطل أعلن ماكرون مؤخرا "حاجة فرنسا إلى إجراء حوار بنّاء مع الرئيس (الروسي) بوتين... ووضع روسيا أمام مسؤولياتها"، منتقدا في الوقت نفسه لوبان وميلونشون وفيون الذين اعتبرهم "مفتونين به"، أي ببوتين. وهو ما يعكس رغبة في الإبقاء على علاقة قوية مع موسكو، دون الذوبان الفرنسي في الثلوج الروسية.

هذا السياق يجب ألا يُغفَل معه أنه لا يمكن لهامش الممارسة السياسية الفرنسية -مهما توسّع- أن يتحرك خارج النطاق الأطلسي، خاصة بعد وصول المرشح الجمهوري المتشدد دونالد ترمب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض.

إن محاولة الحفاظ على الانتماء الفرنسي أوروبياً، والإبقاء على روابط موضوعية ثابتة مع موسكو من جهة ومع واشنطن من جهة أخرى، هي أعقد المعادلات التي يجب على المرشح الرئاسي القادم حلها.

برنامج المرشح ماكرون
لئن تأخر المرشح الرئاسي ماكرون في عرض برنامجه مفصلا مقارنة ببقية المرشحين فإن النقاط الأساسية لبرنامجه لا تحمل مفاجآت كبرى على مستوى خطوطها العريضة، وهي تتميز أساسا بمحاولة توسيع هامش الوعود التي تسمح له بالتحرك يمينا ويسارا على طول الخريطة الحزبية.

سياسيا يسعى ماكرون إلى إعادة ترميم الحياة السياسية المتأثرة سلبا بفضائح استغلال النفوذ عبر "منع البرلمانيين والوزراء من توظيف أبنائهم وأقاربهم" مثلاً، في محاولة لتجاوز الفضيحة المالية والعائلية لمرشح اليمين فرانسوا فيون، وسعيا منه إلى استعادة بعض الثقة التي فقدها السياسيون الفرنسيون خلال العقود الأخيرة


اجتماعيا تمثل وعودُه بشأن سن التقاعد وعدم تحوير سن الخروج إلى المعاش، وبرنامجه الخاص بالضواحي والاندماج، واقتراح المساواة في الرواتب بين الرجل والمرأة، أو توظيف أكثر من عشرة آلاف رجل أمن وشرطة إضافيين؛ محاولاتٍ لتغطية أفق انتظار الناخب الفرنسي المتذمر من آثار الأزمة الاقتصادية.

سياسيا يسعى ماكرون إلى إعادة ترميم الحياة السياسية المتأثرة سلبا بفضائح استغلال النفوذ عبر "منع البرلمانيين والوزراء من توظيف أبنائهم وأقاربهم" مثلاً، في محاولة لتجاوز الفضيحة المالية والعائلية لمرشح اليمين فرانسوا فيون، وسعيا منه إلى استعادة بعض الثقة التي فقدها السياسيون الفرنسيون خلال العقود الأخيرة، بسبب تفشي ظواهر التهرب الضريبي واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع.

أما عن ملف التشغيل -الذي يؤرق الناخب الفرنسي- فقد وضع المرشح الفرنسي خطة لاستثمار خمسين مليارا سيتم ضخها على مدى خمس سنوات، من أجل النهوض بالمؤسسات الفرنسية لتصبح قادرة على المنافسة والتشغيل.

كل هذه النقاط الأساسية وغيرها من الاقتراحات التي تضمنها برنامج المرشح ماكرون لا تختلف في الحقيقة اختلافا جذريا عن برنامج بقية المرشحين، لأن مقياس هذه المبادرات والاقتراحات هو قابليتها للتطبيق بناءً على الإمكانات المادية والاجتماعية للدولة، ثم بناءً على السياق الأوروبي والعالمي الذي تتحرك داخله فرنسا.

فالصعود الاقتصادي الكبير لدول آسيا -وخاصة الصين- قد أثر كثيرا على القدرات الاقتصادية الأوروبية ومنها الفرنسية، كما أن عودة اللاعب الروسي إلى الساحة الدولية -وخاصة فيما يتعلق بصناعة الأسلحة وتصدير الطاقة- ضيقت هامش المناورة الفرنسي والأوروبي.

صحيح أنّ ماكرون هو مرشح البنوك العالمية كما يقول خصومه السياسيون، وسيبقى وفيا لقطاع الأعمال والمصارف -الذي يقف وراء حملته الانتخابية- في حال فوزه برئاسة فرنسا، لكن ذلك لن يكفيه ليتمكن من إخراج البلاد من أسوء مرحلة ركود اقتصادي عرفتها منذ عقود، ولن يكون كافيا ليعيد إلى فرنسا بريقها الذي فقدته على الساحة الدولية والأوروبية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات