مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

مع دخول الانتفاضة الإيرانية أسبوعها الثاني؛ بدا أن زخمها يتوارى في الشارع العام غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء موسمها كلياً، أو انتهاء فرص البناء المستقبلي على حلقة الاحتجاجات الجديدة لحراك أكبر من هذه الجولة، والذي قد يؤدي إلى فعل حاشد مباشر يكرر مظاهرات 1979.

وهي الاحتجاجات التي تحولت إلى ثورة عارمة اتحد فيها اليساريون وأنصار ولي الفقيه في الحوزات الدينية، وعجزت قوات الشاه عن ردعها مما أدى إلى سقوط النظام الشاهنشاهي المدعوم من أميركا، وولادة بديل له هو الجمهورية الدينية ذات البعد الطائفي، التي أسسها آية الله الخميني، ولا تزال -حتى اليوم- في قبضة المرشد الذي خلفه علي خامنئي.

ولو وقفنا عند هذا المنعطف -دون الجزم بأنه المنعطف النهائي- لحركة ديسمبر/كانون الأول 2017 فسنلاحظ عدة عوامل مهمة، تحتاج إلى التوقف عندها لفهم ما جرى على الأرض في أقاليم إيران المتعددة، وهو ما يساعد على تجميع الصورة وفهم مستقبل الجمهورية الإيرانية القادم.

مطالب التغيير -منذ 2009 وحتى اليوم- لا علاقة لها بموقف أنظمة الاستبداد الخليجي، التي رغم ما قدّمته من تغطية إعلامية وتحفيز للشارع الإيراني في مواقع التواصل الاجتماعي (ونقصد التحفيز الموجه مخابراتياً وليس التضامن الإنساني مع مطالب الشعب الإيراني)؛ فهي تغطية في الحقيقة لا تمثل أي حافز تشجيع للمواطن الإيراني


وبكل تأكيد؛ فإن التعقب والبطش الأمني سيتعزز منذ سحق الحركة وحتى طي آخر ملف تحقيقات أمني، وسيُنفّذ بدقة من قبل مؤسسات المرشد على وجه الخصوص، وخاصة الحرس الثوري.

لكن هذا البطش حصل إثر تزوير انتخابات 2009 وكان الفائز المدعوم آنذاك هو محمود أحمدي نجاد، وهو اليوم من المتمردين على المرشد، لكن تمرده داخل المحافظين الدينيين وله بعد اقتصادي اجتماعي؛ وهذه مفارقة مهمة لفهم تحولات الشارع الإيراني.

ويظل حصاد الحركة الخضراء 2009 -وحتى حصاد اليوم- مؤشرا مهما يجمع بين الحراكين في تأكيد أن الشارع الإيراني متفاعل وساخط ويسعى للتغيير، لكن ما هو هذا التغيير وما هي توجهاته؟

ندرج هنا العناصر التالية لمحاولة التوضيح:

1- مطالب التغيير الإيرانية -منذ 2009 وحتى اليوم- لا علاقة لها بموقف أنظمة الاستبداد الخليجي، التي رغم ما قدّمته من تغطية إعلامية وتحفيز للشارع الإيراني في مواقع التواصل الاجتماعي (ونقصد التحفيز الموجه مخابراتياً وليس التضامن الإنساني مع مطالب الشعب الإيراني)؛ فهي تغطية في الحقيقة لا تمثل أي حافز تشجيع للمواطن الإيراني -وخاصة مركز التغيير المنتظر في أي جولة- بأن يحسم الموقف داخل القوميتين الفارسية والأذرية.

2- النموذج الديني ببعده الطائفي الذي خاضته أنظمة الخليج العربي، أو ببعده القومي عداءً للفرس كقومية، وما تداخل معه من عصف عنصري شرس متبادل مع عنصرية وطائفية النظام الإيراني، وواقع البنية الدينية في بعض مناطقه؛ هي مواقف خليجية لا تمثل بعداً ملهماً لحركة تطالب بالديمقراطية والإقرار الدستوري الشامل ببعده المدني، ومن هنا شابهت الربيع العربي.

3- رغم تعلق منظمة مجاهدي خلق واستدعائها للدعم الخليجي، وحضوره في مؤتمراتها، وصعود صوتها في الخارج مع هذه الأحداث؛ فإن هذا الاستدعاء لا يوجد له بعد اجتماعي واضح في الشارع، بل العكس؛ فحتّى حركة الاحتجاجات في أقاليم الكرد والأحواز والبلوش -التي تعاني من اضطهاد طائفي وقومي معاً- كانت أكثر حذراً هذه المرة وحساسية من ربطها بنظام الاستبداد الخليجي وبعده الطائفي.

4- قضية الحرب الطائفية التي استنزفت الشرق لا مجال لاستعراضها هنا، وكذلك مسؤولية نظام إيران الطائفي وبعض أنظمة الخليج ومشروع مخابراتها في تدمير علاقات الشرق المسلم مذهبياً وعنصرياً.

فرغم وجود إرث كريه من الشعوبية في دورات تاريخية وممارسات وثقافة عنصرية، فجّرها التطرف القومي العربي، فإن ما جرى مؤخراً كان أشد شناعة، في ظل القولبة المذهبية السياسية للرسالة الإسلامية، والتي لعبت بها هذه المخابرات ووظفت الناس لها لمواجهة عجزها أمام تقدم إيران العسكري والسياسي في البلدان العربية.

فهي لعبة قذرة من الاتجاهين، لكن من الطبيعي أن تركز إيران -لشيطنة هذا الحراك- على هذا البعد الخارجي أي دعم أنظمة الخليج العربي، لتثير مشاعر الكراهية القومية والتحفز الطائفي، وذلك لتغطية المطالب الديمقراطية للحركة المدنية.

نلاحظ أن صوت الحركة الاحتجاجية الحالية كان واضحاً في مدنيّته الصارمة، وإعلان الحركة رفض مفهوم تصدير الثورة الطائفية وصناعتها، وهذا محل حرج كبير للجمهورية الدينية، خاصة أن صورتها ومشروعها -الذي زحفت به والتهمت عبره سوريا والعراق- يركز على هذا البعد، فهتاف الشارع كان قويا ضد فروعها ومشروعها الطائفي


5- هنا نلاحظ أن صوت الحركة كان واضحاً في مدنيّته الصارمة، وإعلان الحركة رفض مفهوم تصدير الثورة الطائفية وصناعتها، وهذا محل حرج كبير للجمهورية الدينية، خاصة أن صورتها ومشروعها -الذي زحفت به والتهمت عبره سوريا والعراق- يركز على هذا البعد، فهتاف الشارع القوي ضد فروعها ومشروعها الطائفي -وخاصة قاسم سليماني وحزب الله في لبنان- يعتبر نكسة فكرية لمشروع ولي الفقيه الأكبر.

6- هذه الدعوات صدرت من داخل القومية التي حددناها الفارسية والأذرية، وهي صاحبة القدرة على الحسم مهما تصاعدت الأحداث في الأقاليم المتمردة، فهذا التمرد خارج الأذريين والفرس يعود النظام لسحقه بعد تسوية مناطق عصبيته.

وهو ما يجري خلال كتابة هذه السطور، أي تصفية حراك أقاليم العصبية وخاصة طهران، وإن كان لا يزال نبضه الفكري باقيا.

7- هنا يبدو المشهد الإقليمي والدولي ذا رسائل مختلفة، فتعجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تسجيل موقفه بتأييد نظام طهران له بُعدٌ إقليمي خاص، حيث لا تزال تركيا تُراهن بقوة على نجاح صفقتها مع طهران وموسكو، وأهم ما يعنيها فيها تثبيت الغياب الكردي الانفصالي في المناطق الحدودية المشتركة.

ثم ضمان إنهاء الثورة السورية باتفاق إقليمي يحمي مصالح تركيا التي ستدخل عهداً جديداً، وهو حريص على تجاوز هذه المرحلة. ورغم أن تركيا ستبقى ذات وزن وتأثير، خاصة في إلهام تجربتها الاقتصادية والبرلمانية، والعلاقات الممتدة بين الدولتين، لو حصل تحول مدني انقلابي في إيران.

لكن هذا التحول لا يزال ضعيفا والقوة بيد نظام إيران الجمهورية الدينية، ولذلك سعى أردوغان لكسب طهران مجدداً، في تحوله الأخير في سياسته الإقليمية.

8- أما البعد الدولي فقد كان حذراً للغاية، وحتى الموقف الأميركي نفسه لم يتخذ أي موقف تنفيذي واضح رغم هذر دونالد ترمب وحماقاته المستمرة، لكن على الأرض لم تُدعم هذه الحركة بأي مبادرة أميركية جادة، وهي لم تنتقل إلى مستوى اجتياح المؤسسات الكبرى في طهران كما جرى في ثورة 1979.

9- ما صدر من تردد بعض إعلام الأنظمة الخليجية ومسؤوليها وتخفيف اللهجة مع طهران، واستدعاء توازن في خطابهم، يشير إلى مسألة حساسية الموقف من سقوط إيران وأقاليمها، وذلك في بعدين:

الأول: الخشية من انتقال مثل هذه الأحداث إلى بلدان خليجية أخرى، وخاصة إن قررت إيران الرد داخل السعودية والبحرين على سبيل المثال.

والثاني: هو أن السقوط المدوّي لإيران الدولة له تبعات أمنية عاصفة على المنطقة، ولا توجد في ظل هذه الأوضاع وغياب العراق وسوريا أي مظلة بديل تفرض نوعاً من الأمن الإقليمي، وهي مواقف عادة تصب في صالح النظام.

10- غير أن أبرز ما يلفت النظر هو الانفصال الفكري بين الحراكين في عاميْ 2009 و2017، فمن الواضح أن النظام يستفيد من هذا الانقسام، وهناك روح ثأرية من الدين داخل حركة الاحتجاج، بسبب نموذج الحكم الديني المستبد وروح التجاوز على الإسلام، وهذا يفصل حراك 2017 عن تحالفات الخضر الواسعة.

أبرز ما يلفت النظر هو الانفصال الفكري بين الحراكين في عاميْ 2009 و2017، فمن الواضح أن النظام يستفيد من هذا الانقسام، وهناك روح ثأرية من الدين داخل حركة الاحتجاج، بسبب نموذج الحكم الديني المستبد وروح التجاوز على الإسلام، وهذا يفصل حراك 2017 عن تحالفات الخضر الواسعة


11- هذا التحالف الواسع -الذي أصدر منظومة تحول ثقافي جمهوري لفهم تقدمي (للإسلام الشيعي)، والذي يؤمن بضرورة إسقاط معادلة ولي الفقيه وبقاء دولة الثورة- له شعبية لا يُستهان بها، ويؤمن بالقدرة على بناء إيران جديدة، بمفهوم لا يحارب الإسلام ولا يعلن أن الغرب الثقافي هو الملاذ الحصري.

وهي نظرية صاعدة في إيران، ولذلك تطرح التوازن الحقوقي والدستوري لعصبيتها وللأقاليم، والحفاظ على القيم الروحية، دون التمسك بالشعائر الطائفية التي استعبدت الإنسان في إيران ولي الفقيه، أو العصمة الدينية التي باسمها يُسحق.

هذا الافتراق ألقى بظلاله وخاصة رمزية خلع الحجاب، في حين كانت أول شهيدة في الاحتجاجات الديمقراطية 2009 مرتدية الحجاب، ويبدو أن هناك مشاعر عاصفة تحكم علاقات التيارات، وتعوق إنتاج إيران الجديدة، ومن أهمها عدم الثقة حتى ما بين رابطة الخضر -أو أجنحة منها- وحركة الاحتجاج المدني الجديدة، وتساؤلاتها عن الحاجز الذي يفصل اليسار الشيعي عن النظام.

وقراءات اليسار الديني الثقافية الجديدة لحرية الإنسان والدستور، وبين تيار الإصلاحيين داخل الثورة الإيرانية، الذي يُحمّله المحتجون مسؤولية نظام المرشد، لكونه يقدم له تكرار الشرعنة الدستورية لبقاء جمهورية ولي الفقيه رغم صراع الإصلاحيين مع المحافظين، لكن المؤكد أن هذا التصاعد في الحراك، والغُبن السياسي والاقتصادي والثقافي، يعود ويصعد من جديد.

وقد يُفاجَأ الجميع في أي عودة جديدة بأن ذراع الحركة الحقوقية المتحد قد وصل لإسقاط النظام، فهل يتوجه فرقاء المعارضة اليوم في إيران الشرق -أمام هذا التحدي الكبير- لصناعة ثورة إنقاذ مدنية تحترم رابطتهم الروحية، أم إنهم سينتظرون فجراً علمانياً دامياً على غرار الثورة الفرنسية، سيحسم به الصراع مهما نجحت آيات اليوم في صد حركات الاحتجاجات؟

المصدر : الجزيرة