عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني

عبء العسكرة
رسالة بوتين
دروس مستخلصة 

تركز القيادة الروسية في خطابها السياسي على أنها ليست في وارد الانجرار إلى سباق تسلح جديد، وتشدِّد على أن برنامجها الذي بدأ 2008 لرفع كفاءة الجيش الروسي -عبر إعادة هيكلته وتجهيزه بأسلحة حديثة ومتطورة، وما يتطلبه ذلك من زيادة الإنفاق العسكري- يهدف إلى ضمان أمن روسيا ويتسم بصبغة دفاعية بحتة.

هذه الصورة بدت ملتبسة في الخطاب السنوي الأخير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن حالة الاتحاد، الذي ألقاء أمام البرلمان الروسي بمجلسيه قبل أيام من تنظيم الانتخابات الرئاسية المحسومة لصالحه. فقد كشف بوتين عن تطوير واختبار منظومات أسلحة جديدة، تشمل صواريخ عابرة للقارات خارقة لجدار الصوت وغير محدودة المدى، وصواريخ موجَّهة تعمل بالطاقة النووية بدلاً من الوقود التقليدي.

هذا إضافة إلى طائرات أسرع من الصوت، وغواصات صغيرة مسيَّرة عن بُعد، تعمل بالدفع النووي وقادرة على مهاجمة وإغراق حاملات الطائرات، وسلاح ليزر، ومنظومات أسلحة إستراتيجية غير باليستية تعجز منظومات الدفاع الجوي عن اعتراضها.

وكان من الملاحظ أن اهتمام المحللين والمراقبين انصبّ على هذه الفقرة دون غيرها من فقرات خطابه، الذي استغرق ما يقارب ساعتين؛ فقد رأى كثيرون أن ما كشف عنه بوتين يحمل في طياته مخاطر الانخراط في سباق تسلح بمستويات عالية، ستؤدي إلى عسكرة الميزانية العامة الروسية، على خلاف ما هو معلَن من توجه نحو تقليص النفقات العسكرية فيها.

وجدير بالذكر أن نائب رئيس الوزراء الروسي ديمتري روغوزين أعلن موافقة بوتين -قبل إلقائه خطابه- على موازنة دفاعية جديدة، تمتد بين 2018-2027 وتقدر بأكثر من 250 مليار دولار.

عبء العسكرة
ومما لا شك فيه أن زيادة الإنفاق العسكري ستكون على حساب ما وعد به بوتين -في الخطاب ذاته- بخصوص تحسين مستوى حياة الروس، وتخفيض مستوى الفقرإلى النصف خلال ولايته الرابعة، وتحسين رفاهية الشعب والاستثمار في البنى التحتية والقطاع الصحي.. إلخ.

من الملاحظ أن اهتمام المحللين والمراقبين انصبّ على الفقرة المتعلقة بالأسلحة الجديدة المتطورة دون غيرها من فقرات خطابه، الذي استغرق ما يقارب ساعتين؛ فقد رأى كثيرون أن ما كشف عنه بوتين يحمل في طياته مخاطر الانخراط في سباق تسلح بمستويات عالية، ستؤدي بشكل أو آخر إلى عسكرة الميزانية العامة الروسية


بينما يؤكد محللون أن إحجام الكرملين عن القيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية يشكل عائقاً أمام تعافي الاقتصاد الروسي.

ويشار هنا إلى أن الحكومة الروسية أعلنت نهاية 2016 أنها ستخفض إنفاقها العسكري بنسبة 8.5% عام 2017 و3.2% عام 2018، وستعود لزيادة الإنفاق العسكري مجدداً 2019 بما نسبته 3.2 %، مما سيقود مرة أخرى إلى "اختلال ملموس في ميزانية الدولة الروسية لصالح النفقات العسكرية".

وبالإضافة إلى ما سبق؛ تُطرَح أسئلة حول حقيقة ما تم إنجازه فعلياً من برنامج تحديث الأسلحة الذي أطلقه الكرملين عام 2011، للفترة الممتدة حتى عام 2020؛ وبتمويل قدر بأكثر 22.5 تريليون روبل (حوالي 600 مليار دولار)، حسب سعر صرف الروبل حينذاك.

هذا علماً بأن النفقات العسكرية الروسية عام 2011 وصلت قرابة 2 تريليون روبل (ما يعادل 60 مليار دولار)، وشكَّلت 19% من مجموع نفقات الموازنة العامة للدولة. حسب تصريح ألكسي كودرين وزير المالية الروسي السابق.

ويُأخَذ على النفقات العسكرية الروسية أنها تساوي ما نسبته 4.8% من إجمالي الناتج المحلي، ويعتبر ذلك أعلى بكثير من المتوسط العالمي للنفقات العسكرية؛ فمثلا تنفق الصين 2.2% من إجمالي الناتج المحلي، والولايات المتحدة 3.5% من الناتج المحلي. وهو ما يمثل عبئاً كبيراً على روسيا في ظل وضعية اقتصادها.

نقطة أخرى مهمة ركَّز خبراء روس عليها بالتزامن مع إطلاق برنامج التسليح عام 2011، ومفادها أنه يجب ألا ينظر إلى هذا البرنامج من زاوية تجهيز وتسليح الجيش فقط، فالعديد من التقنيات العسكرية التي تم اختبارها تجد تطبيقا لها في مشاريع مدنية كثيرة، وتحديثُ الجيش سيؤثر إيجاباً على كامل الصناعة في روسيا.

لكن هذه المقولات غابت عن ساحة النقاش لاحقاً في أروقة الإعلام والسياسة الروسية، ومع غياب أي معطيات رسمية في هذا المجال؛ من الصعب الحديث عن إنجازات يُعتدّ بها لتوظيف التقنيات العسكرية في استخدامات مدنية، وقد فشل في ذلك الاتحاد السوفياتي سابقاً، وكان سبباً في المشاكل الاقتصادية التي عانى منها، وكانت أحد أسباب تفككه وانهياره.

رسالة بوتين
عنون الرئيس بوتين كشفه عن الأسلحة الجديدة بقوله: "لم ينجحوا في كبح جماح روسيا". وأضاف: "لقد تجاهلوا موسكو سابقا لكنهم الآن سيصغون..، الآن يحتاجون أن يضعوا في حسبانهم واقعاً جديداً، ويدركوا أن كل ما قلته اليوم ليس تهويلاً". إلا أنه يبدو أن هذه الرسالة موجهة إلى الداخل الروسي أكثر من كونها موجهة للولايات المتحدة وشركائها في حلف الناتو.

فالرئيس بوتين سلط الضوء حقيقة على ما يمكن اعتباره الإنجاز الأبرز في سنوات حكمه (18 عاماً)، ولعل هذا هو كشف الحساب الوحيد الذي قدَّمه للنخب السياسية الروسية ومواطني بلاده، عبر خطابه السنوي الأخير في ولايته الثالثة المنتهية.

بالنظر إلى أن نتيجة الانتخابات الرئاسية مفروغ منها لصالح الرئيس بوتين؛ فإن أكثر ما يهم الكرملين هو أن يكون الإقبال على الانتخابات بنسبة كبيرة. ويدرك بوتين أن مستقبل نظامه السياسي يرتبط بوجود قاعدة شعبية واسعة ما زال يحظى بها، بيد أنه يدرك أيضاً أنه بناها برفع شعار استعادة هيبة روسيا ومكانتها الدولية


واكتفى -في باقي فقرات هذا الخطاب الذي يعد بمثابة النقاط الرئيسية لبرنامجه الانتخابي- بإطلاق وعود سخية، سبق أن أطلقها في خطابات وبرامج انتخابية سابقة، مثل زيادة فرص العمل ومكافحة البطالة، والحد من الفقر، وزيادة معدلات الأعمار.

كما وعد بأنه سيسعى إلى تعزيز التكنولوجيا وتشجيع الاستثمار، وأن تصبح روسيا أحد المراكز الرئيسية في العالم لتخزين ومعالجة البيانات، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وتطوير قطاعيْ الصحة والتعليم، وتحسن الأجور... إلخ. وكلها بقيت مجرد وعود، وخاصة في الولاية الرئاسية الثالثة.

وبالنظر إلى أن نتيجة الانتخابات الرئاسية مفروغ منها لصالح الرئيس بوتين؛ فإن أكثر ما يهم الكرملين هو أن يكون الإقبال على الانتخابات بنسبة كبيرة، فثمة خشية من أن تتراجع مشاركة المواطنين الروس في انتخابات رئاسية نتيجتها معروفة سلفاً.

ويدرك الرئيس بوتين أن مستقبل نظامه السياسي يرتبط بوجود قاعدة شعبية واسعة ما زال يحظى بها، بيد أنه يدرك أيضاً أنه بناها برفع شعار استعادة هيبة روسيا ومكانتها الدولية، واستطاع أن يحولها إلى قصة نجاح في نظر مواطنيه.

وخاض في خضمها العديد من المعارك والحروب، داخلياً بسحق التمرد في الشيشان؛ وخارجياً بالتدخل العسكري في جورجيا صيف 2008 والسيطرة على إقليميْ أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وشكَّلت سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم 2014 نقطة تحول في المعادلة الدولية، فأعادتها إلى القطبية الثنائية من وجهة نظر طيف واسع من المحللين.

وبسبب ردود الفعل الدولية الضعيفة؛ تشجعت روسيا لاحقاً على الانخراط مباشرة في الحرب السورية (سبتمبر/أيلول 2015)، لتأكيد موقعها ودورها كقوة عظمى، واستطاعت أن تغير دفة مجرى الصراع لصالح النظام السوري وحلفائه.

دروس مستخلصة
تطمح روسيا إلى لعب دور نشط في العديد من المناطق الحيوية، ضمن نطاق أبعد من قوس مصالحها المباشرة في فضاء الاتحاد السوفياتي السابق. ويتطلب ذلك قدرة موسكو على تحمل تبعات الإنفاق العسكري الحالي، وألا يكون ذلك على حساب النمو الاقتصادي والاستثمارات الضرورية في البنى التحتية وخاصة قطاعيْ التعليم والصحة، وهذه معادلة صعبة التحقق.

ومع سعي موسكو لتوسيع منطقتها الاقتصادية الحصرية في البحر المتجمد الشمالي، وبسط سيطرتها كاملة على بحر الشمال كممر تجارة عالمي بين آسيا وأوروبا؛ تعمل روسيا على إعادة تثبيت وجودها العسكري هناك، بترميم وإعادة تشغيل القواعد القديمة وإنشاء قواعد جديدة. مما سيزيد أعباء الإنفاق العسكري على الموازنة العامة الروسية.

يرى خبراء أن روسيا استطاعت -وما زالت تستطيع- الاعتماد على الردع النووي للدفاع عن نفسها، وأن الانجرار إلى سباق تسلح في ظل قدرات اقتصادية غير متكافئة يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد الروسي، الذي يعاني من اختلال بنيوي وضعف في الأداء ونسب النمو، وهو تكرار للخطأ الذي وقع فيه الاتحاد السوفياتي


يعارض خبراء اقتصاديون روس تزايد الإنفاق العسكري لبلادهم، وهو ما دفع وزيرُ المالية السابق أليكسي كودرين ثمنه باستقالته من منصبه خريف عام 2011.

ويرى أولئك الخبراء أن روسيا استطاعت -وما زالت تستطيع- الاعتماد على الردع النووي للدفاع عن نفسها، وأن الانجرار إلى سباق تسلح في ظل قدرات اقتصادية غير متكافئة يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد الروسي، الذي يعاني من اختلال بنيوي وضعف في الأداء ونسب النمو، وهو تكرار للخطأ الذي وقع فيه الاتحاد السوفياتي.

كما يشكك الخبراء في مقدرة روسيا على توفير إنفاق مستدام لبرامجها وأنشطتها العسكرية، لاسيما في ظل سعي روسيا لتوسيع تلك الأنشطة والبرامج. ويحذِّر بعضهم من أنه رغم ما حققته روسيا من إنجازات مهمة في إعادة بناء جيشها تنظيماً وتسليحاً، وتطوير قدراته العملانية؛ فإن هذا الجيش لم يُختبر بعدُ في حرب واسعة النطاق، وإن كانت حرب كهذه مستبعدة.

ويشير خبراء آخرون إلى أن ما حققته روسيا -حتى الآن- من برنامج تحديث الأسلحة 2011-2020 محدود نسبياً، وغير واضح كيف سيتم استكمال هذا البرنامج وتطويره مع استمرار الوضع الاقتصادي الروسي الهش، بالإضافة إلى مكامن ضعف تعاني منها الصناعات العسكرية الروسية في مجالات حيوية، فهي تنتج 40% فقط من المكونات الإلكترونية التي تحتاجها.

وأخيراً؛ من المشكوك فيه أيضاً أن يستمر بوتين في إحكام قبضته الحديدية، والحفاظ على شعبيته، باعتماد برنامج يقف على قدم واحدة. ذلك أن تعزيز القدرات العسكرية يجب أن يرافقه تحسين للوضع الاقتصادي، وألا يكون على حساب النمو الاقتصادي وتمويل قطاعات الصحة والتعليم والاستثمار، وألا يوقع البلاد في فخ سباق تسلُّح لن تكون رابحة فيه.

المصدر : الجزيرة