​جيفري د. ساكس

​جيفري د. ساكس

أكاديمي ومدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة الأمم المتحدة لحلول التنمية المستدامة

يحتاج الاتحاد الأوروبي الآن إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى، للتأكيد على قيمه ومصالحه في عصر أصبحت فيه القيادة الأميركية العالمية على وشك الانهيار، والصين في صعود، وروسيا تتأرجح مرة أخرى بين التعاون والمواجهة مع الاتحاد الأوروبي.

والواقع أن الاتحاد الأوروبي المقسم يصبح مجرد متفرج عاجز يراقب الاضطرابات الجيوسياسية. أما الاتحاد الأوروبي المتحد فهو قادر على الاضطلاع بدور عالمي بالغ الأهمية، لأنه يجمع -على نحو فريد- بين الرخاء والديمقراطية وحماية البيئة والإبداع والعدالة الاجتماعية. وستتوقف استعادته وحدة الغرض أو انزلاقه إلى الفوضى على ما يحدث في إيطاليا الآن.

ينبع دور إيطاليا المحوري من موقعها عند الحد الجغرافي الفاصل بين رخاء أوروبا الشمالية وأزمة أوروبا الجنوبية، والانقسام الفكري والعاطفي بين أوروبا المنفتحة وأوروبا المحاصرة مرة أخرى بالنزعة القومية والتحيز والخوف.

ينبع دور إيطاليا المحوري من موقعها عند الحد الجغرافي الفاصل بين رخاء أوروبا الشمالية وأزمة أوروبا الجنوبية، والانقسام الفكري والعاطفي بين أوروبا المنفتحة وأوروبا المحاصرة مرة أخرى بالنزعة القومية والتحيز والخوف. كما تقف إيطاليا عند الحد الفاصل سياسيا في ظل النجاح الانتخابي الكبير لحزب جديد متمرد هو "حركة النجوم الخمس"


كما تقف إيطاليا عند الحد الفاصل سياسيا في ظل وجود حزب جديد متمرد هو "حركة النجوم الخمس"، التي تتقاسم الساحة السياسية مع "حزب الرابطة" اليميني المناهض للمهاجرين والاتحاد الأوروبي، والحزب الديمقراطي من يسار الوسط المؤيد للاتحاد الأوروبي ولكنه بات ضعيفا إلى حد كبير.

احتل حزب "حركة النجوم الخمس" المتمرد المركز الأول في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 4 مارس/آذار الماضي، بعد حصوله على نسبة مذهلة من الأصوات بلغت 33%، مقارنة بنحو 19% للحزب الديمقراطي ونحو 17% لـ"حزب الرابطة". وتشكل العواقب المترتبة على الانتصار القوي الذي حققه هذا الحزب موضوع مناقشة محتدمة في إيطاليا ومختلف أنحاء أوروبا.

في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي؛ تخسر الأحزاب التقليدية -المنتمية إلى يسار الوسط ويمين الوسط والمؤيدة للاتحاد الأوروبي- أصوات الناخبين.

وكما هي الحال في إيطاليا، تكسب الأحزاب القومية المناهضة للاتحاد الأوروبي (مثل "حزب الرابطة") المزيد من الأصوات، أما الحركات المتمردة المناهضة للمؤسسة (مثل "حزب بوديموس" في إسبانيا، و"حزب سيريزا" في اليونان) فإنها إما أن تفوز بالسلطة بشكل مباشر، أو تحافظ على توازن القوى بين الأحزاب التقليدية الرئيسية المؤيدة للاتحاد الأوروبي والأحزاب القومية المناهضة له.

هناك ثلاثة أسباب وراء السياسة المتغيرة في أوروبا: السبب الأول -الذي ربما يحظى بالقدر الأقل من الاعتراف- هو نتائج جيل من السياسة الخارجية الأميركية الكارثية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

فبعد نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينيات؛ سعت الولايات المتحدة وحلفاء محليون إلى تأسيس هيمنة سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال حروب بقيادة الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا وأماكن أخرى.

وكانت النتيجة هي تفشي العنف المزمن وانعدام الاستقرار، مما أدى إلى تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أوروبا، وبالتالي تعكير صفو السياسة في دولة تلو الأخرى داخل الاتحاد الأوروبي.

وأما السبب الثاني فهو ضعف الاستثمار المزمن في أوروبا، وخاصة من قِبَل القطاع العام.

ففي عهد وزير المالية السابق فولفغانغ شويبله؛ منعت ألمانيا -الراضية عن ذاتها والناجحة اقتصاديا- النمو الذي يقوده الاستثمار على مستوى أوروبا، وحولت منطقة اليورو إلى سجن دائنين لليونان ومنطقة مثبطة للهمم، حيث يهيمن الركود على قسم كبير من أوروبا الجنوبية والشرقية.

ومع اقتصار السياسة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي على التقشف، ليس من الصعب أن نرى لماذا ضربت الشعبويةبجذورها عميقا.

ينبغي للداعين إلى اتحاد أوروبي قوي ونابض بالحياة أن يشجعوا الأحزاب المتمردة على توحيد قواها مع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التقليدية التي تمكن منها الضعف؛ من أجل تعزيز التنمية المستدامة والإبداع والنمو الذي يقوده الاستثمار، وأن يمنعوا قيام تحالفات مناهضة للاتحاد الأوروبي


والسبب الثالث سبب بنيوي؛ فأوروبا الشمالية تبدع وتبتكر، في حين لا تبدع أوروبا الجنوبية والشرقية في عموم الأمر، أو على الأقل ليس بنفس المعدل.

وتقع إيطاليا عند التقاء جانبيْ أوروبا: الشمال الديناميكي، والوعكة الاقتصادية في الجنوب (جنوب إيطاليا). وهذه قصة قديمة، ولكنها جارية حتى الآن. وهي تساعد في تفسير الخطوط الأمامية للسياسة في الاتحاد الأوروبي؛ فأكبر فوز حققته "حركة النجوم الخمس" ذاك الذي حصل في جنوب إيطاليا الراكد.

تتجه ميولي السياسية نحو الديمقراطية الاجتماعية؛ وأنا ألوم المحافظين من أمثال شويبله لأنهم دفعوا الناخبين إلى أحضان الأحزاب الشعبوية. ومع ذلك، ذهب العديد من زعماء التيار الديمقراطي الاجتماعي إلى مجاراة شويبله في هدوء.

كما أنني أحمّل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل -وغيرها من الزعماء الأوروبيين- المسؤوليةَ عن عدم التحدث بالقدر الكافي من القوة ضد الحروب التي قادتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فقد كان من واجب القادة الأوروبيين أن يبذلوا قدرا أكبر كثيرا من الجهد في الأمم المتحدة لمعارضة سياسة الهيمنة الأميركية بالشرق الأوسط، وما أفضت إليه من آثار كارثية، بما في ذلك النزوح الجماعي وتحركات اللاجئين.

ينبغي للداعين إلى اتحاد أوروبي قوي ونابض بالحياة -وأنا منهم بكل تأكيد- أن يشجعوا الأحزاب المتمردة على توحيد قواها مع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التقليدية التي تمكن منها الضعف؛ من أجل تعزيز التنمية المستدامة والإبداع والنمو الذي يقوده الاستثمار، وأن يمنعوا قيام تحالفات مناهضة للاتحاد الأوروبي.

أو -كما هي الحال في ألمانيا- ينبغي لهذه الأحزاب أن تستحث الائتلاف الكبير بين أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط، لكي تصبح أكثر ديناميكية وتوجها نحو الاستثمار على المستوى الأوروبي، سواء في سبيل الحس الاقتصادي السليم أو لمكافحة القوميين من اليمين المتطرف.

أو -كما هي الحال في فرنسا- ينبغي لها أن تشجع دمج التقليديين والمتمردين من أنصار الاتحاد الأوروبي في حزب "الجمهورية إلى الأمام"! بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون.

وبفضل مثل هذه التحالفات المؤيدة للاتحاد الأوروبي سيحصل الاتحاد على الوقت اللازم لإصلاح مؤسساته، وتشكيل سياسة خارجية مشتركة، وإطلاق النمو الأخضر الذي يقوده الاستثمار والإبداع بدلا من التقشف والرضا عن الذات.

المخاطر في إيطاليا مرتفعة؛ فمع انقسام أوروبا سياسيا وجغرافياً، ربما تقلب السياسة في إيطاليا الميزان. فإيطاليا المؤيدة للاتحاد الأوروبي والتي يحكمها ائتلاف بين "حركة النجوم الخمس" والديمقراطيين؛ يمكن أن تنضم إلى فرنسا وألمانيا في إصلاح الاتحاد الأوروبي. كما يمكن لجميعهم استعادة صوت واضح في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي


تتجنب الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التقليدية في الغالب الأحزاب المتمردة الجديدة؛ وتعتبرها شعبوية، وغير مسؤولة، وانتهازية، وغير نزيهة. وهذه هي وجهة النظر في إيطاليا من جانب الديمقراطيين، حيث يرفض كبار الساسة الائتلاف مع "حركة النجوم الخمس".

وهو أمر مفهوم؛ فقد ألحقت الأحزاب الصاعدة فجأة الهزيمة بالديمقراطيين في صناديق الاقتراع، وغالبا على أساس وعود شعبوية كبرى. ومع ذلك؛ كان الديمقراطيون الاجتماعيون واهنين بل وحتى صامتين في مواجهة التقشف، على طريقة شويبله والحروب غير المسؤولة التي قادتها الولايات المتحدة.

وسيكون لزاما على الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التقليدية أن تستعيد ديناميتها وشهيتها لخوض المجازفة، للفوز مرة أخرى عبر صناديق الاقتراع باعتبارها أحزابا تقدمية حقيقية.

والواقع أن المخاطر في إيطاليا مرتفعة؛ فمع انقسام أوروبا سياسيا وجغرافياً، ربما تقلب السياسة في إيطاليا الميزان. فإيطاليا المؤيدة للاتحاد الأوروبي والتي يحكمها ائتلاف بين "حركة النجوم الخمس" والديمقراطيين؛ يمكن أن تنضم إلى فرنسا وألمانيا في إصلاح الاتحاد الأوروبي. كما يمكن لجميعهم استعادة صوت واضح في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، في مقابل الولايات المتحدة وروسيا والصين؛ وتنفيذ إستراتيجية للنمو الأخضر القائم على الإبداع.

ولإقامة مثل هذا الائتلاف؛ يتعين على "حركة النجوم الخمس" أن تتبنى برنامجا اقتصاديا مسؤولا ومحددا بوضوح، ويتعين على الديمقراطيين أن يقبلوا بكونهم الشريك الأصغر في قوة متمردة لم تُختبر بعدُ. وربما يكون المفتاح المحتمل إلى بناء الثقة المتبادلة أن يتولى الديمقراطيون وزارة المالية المهمة، بينما تتولى "حركة النجوم الخمس" تعيين رئيس الوزراء.

ليس من المستغرب أن يهرع ستيف بانون -المستشار السابق المتهور تماما للرئيس الأميركي دونالد ترمب- إلى إيطاليا لتشجيع "حركة النجوم الخمس" و"حزب الرابطة" على تشكيل ائتلاف أسماه "الحلم المطلق"، لأنه كفيل بكسر الاتحاد الأوروبي. وهذا في حد ذاته لا بد أن يذكّر الإيطاليين بأهمية وجود ائتلاف مؤيد للاتحاد الأوروبي يرفض مثل هذه الكوابيس البائسة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت