احتياطات واكتفاء ذاتي
استقلال سياسي واقتصادي 

قرار متهور أقدمت عليه دول خليجية ثلاث -بمعية نظام عسكري حاكم في مصر- بمحاصرة قطر، في وقت ينشغل المسلمون بالعبادة أكثر من غيرها من أمور. تهور واستعجال بدأ به التحالف تنفيذ مخططه، وقد ظن أنه في أيام معدودات سيقطف ثمرات عمله، فتسقط قطر وتستسلم.

لكن الأمر خرج عن إطار التنظير والتوقع والتخطيط، فها نحن على موعد أكمل فيه الحصارُ عاماً كاملاً، وحصدت قطر ما لم تكن هي تتوقعه، فعاد هذا الحصار عليها إيجاباً على عكس ما توقعته دول الحصار وغالبية المراقبين.

نقطة ابتدائية لا بد من الإشارة إليها ونحن نتحدث عن عام سيكتمل على الحصار؛ وهي أن قطر -إثر أزمة سحب السفراء عام 2014- شعرت بأن الوضع لم يعد آمناً بعد تلك الخطوة، التي تُعتبر في العرف الدولي الخطوة الأخيرة قبل الحسم العسكري، وهذا ما دعا الدوحة للتعامل مع الموقف أو الأزمة بشكل سياسي وأن تكسب الوقت لإجراءات تعتزم القيام بها، فنجحت في الأمر.

محنة الحصار -إن صح وجاز لنا التعبير- لم نشعر بها، لا نحن المواطنين ولا المقيمون معنا في هذا البلد، بالصورة التي يمكن أن توحي بها كلمة الحصار، إلا أن هذا الحصار كانت له -بلا شك- آثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى البعيد، ليس على قطر فحسب بل وكذلك على كل دول الحصار.

احتياطات واكتفاء ذاتي
إن أردنا أن نعيش أجواء الحصار؛ فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الإعاشة اليومية المتمثلة في الأكل والشرب..، ولقد استفادت قطر -كما أسلفنا- من تجربة 2014 (أزمة سحب السفراء)، ورأت احتمالات التكرار واردة وكبيرة، فاتخذت التدابير اللازمة لمواجهتها، ولكن في هدوء مدروس وغير لافت للأنظار.

شعرت قطر -إثر أزمة سحب السفراء عام 2014- بأن الوضع لم يعد آمناً بعد تلك الخطوة، التي تُعتبر في العرف الدولي الخطوة الأخيرة قبل الحسم العسكري، وهذا ما دعا الدوحة للتعامل مع الموقف أو الأزمة بشكل سياسي وأن تكسب الوقت لإجراءات تعتزم القيام بها، فنجحت في الأمر


فكان التخزين الإستراتيجي للسلع الأساسية سواء بالداخل أو الخارج، وتم التدريب على السفر جواً في مسارات جديدة للخطوط الجوية القطرية، وإنشاء ميناء دولي ضخم يرتبط بالعالم دون الحاجة إلى موانئ الجوار، ودون ضجيج إعلامي أيضاً أو إعلان صريح عن الهدف الإستراتيجي من ميناء حمد الدولي، إضافة إلى قيام الدوحة بعقد تحالفات دفاعية مع قوى ذات وزن أهمها الدولة التركية، وكان ذلك أواخر عام 2015.

وبتلك الخطوات والاحتياطات؛ يمكن القول إنه تم الاستعداد بنسبة لا تقل عن 50% لسيناريو شبيه بالحصار المفروض على قطر الآن، وإن افترضنا أن الاستعدادات غير مكتملة فإن تلك الاحتياطات جعلتنا -حكومة وشعباً- نمتص الصدمة سريعاً ونتكيف مع الظروف، لنبدأ بعد ذلك -دون إبطاء- رحلة استكمال الـ50% الباقية.

من الأمور المهمة التي لا بد من استثمارها والعمل عليها لمثل هذه الأوقات؛ الاكتفاءُ الذاتي من الطعام والشراب. فنحن دولة صغيرة وعدد سكانها محدود مقارنة بمن حولنا، وبالتالي ستكون الجغرافيا والديموغرافيا عوامل مساعدة تدفعنا وتشجعنا لتحقيق الاكتفاء الذاتي للإعاشة اليومية كخطوة أولى إستراتيجية.

ويتم ذلك عبر دعم الصناعة والزراعة المحلية، وفي الوقت ذاته بالتخطيط لعمل إستراتيجي متعلق بمجاليْ الصناعة والزراعة أيضاً ولكن في مناطق خارج البلاد، بحيث يعمل الداخل مع الخارج في وقت السلم والرخاء، حتى إذا ما تعطل الداخل لأي سبب يكون الخارج هو السند والبديل الجاهز.

لقد كان التوجه القطري قبل الأزمة هو المحافظة على التكامل الخليجي في مجالات اقتصادية متنوعة، وعدم الدخول في تنافس مع دول مجلس التعاون الخليجي في مجالات التصنيع الغذائي وغيره مثلا؛ وهو ما جعل من قطر سوقاً استهلاكية مربحة لمنتجات وصناعات سعودية وإماراتية وغيرها.

لكن بعد وقوع الأزمة؛ لم يعد من بدّ سوى الاعتماد على الذات، واتخاذ قرار الاستقلال الاقتصادي عن بقية دول مجلس التعاون، الذي طال انتظاره في حقيقة الأمر؛ مما أنعش الإنتاج الصناعي والزراعي المحلي في وقت قياسي.

وبحسب تقديرات محللين اقتصاديين؛ فإن قطر قد تصل إلى حد الاكتفاء الذاتي في بعض المستهلكات اليومية من الطعام والغذاء قبل نهاية العام الجاري، وصولاً إلى منتجات ومستهلكات أخرى.

استقلال سياسي واقتصادي
لقد تعافت قطر اقتصادياً بشكل سريع بعد أشهر قليلة من بدء الحصار، وصار الاقتصاد القطري هو الأسرع نمواً في المنطقة بشهادة صندوق النقد الدولي، الذي قال -في بيان أصدره بعد زيارة وفده لقطر في مارس/آذار الفارط- إن التداعيات الاقتصادية والمالية المباشرة للأزمة بين قطر ودول الحصار بدأت تتلاشى، وهو تصريح يمكن اعتباره إقراراً دولياً بقوة الاقتصاد القطري.

ويرى الصندوق أنه رغم تأثر النشاط الاقتصادي فإن ذلك كان لفترة قصيرة، وأن قطر تمكنت من إنشاء خطوط تجارية جديدة بشكل سريع. وبالمثل تعافى القطاع المصرفي القطري من نزوح الأموال وتمكن من التكيف، بعد أن ضخ مصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار سيولة في البنوك.

وفي السياق ذاته؛ أفاد وزير الطاقة القطري -دليلا على هذا التعافي والتعاطي الإيجابي مع الأزمة- بأن طاقة قطاع الصناعات الغذائية زادت أكثر من 300% في ثمانية أشهر بعد الأزمة، وأن قطر تسعى للتنوع الاقتصادي وعلى رأس ذلك توسيع قاعدة الصناعة.

قطر تغيرت بعد الحصار، بل ولا بد أن تتغير وتأخذ بزمام أمرها وتتولى هي بنفسها جميع أمورها، وتتجه نحو الاستقلالية في القرار السياسي والاقتصادي، بعيداً عن تأثيرات هذا وذاك من المحيط إلى الخليج، ولا سيما دول الحصار.. "فنحن بألف خير بدونها"؛ هكذا قال أمير قطر


وأضاف الوزير أن عدد المصانع التي افتتحتها قطر خلال ثمانية أشهر منذ بدء الحصار، يساوي عدد المصانع التي افتُتحت وبدأت إنتاجها في السنتين السابقتين، مؤكداً أن قطر تستغل إمكانياتها الكبيرة من الطاقة لخلق وتوسيع الصناعات الثقيلة والمعدنية كالحديد والألمنيوم، والصناعات الأخرى التي تعتمد على البترول والغاز.

خلاصة ما يمكن قوله بعد مرور نحو عام على بدء حصار غير مبرر وجائر؛ هو أننا في قطر -حكومةً وشعباً- نراهن على الوقت. فكلما طال الوقت ضاق الحصار، ليس على قطر فقط بل وعلى الرباعي المتأزم (إن صح التعبير)، والذي بدأت معه بوادر انشقاق وتفكك كثيرة، وهي كلها ستساهم إيجاباً على قطر وسلباً وأضراراً على دول الحصار.

وبصورة أخرى؛ كأنما الرباعي المتأزم -الذي حاصر قطر للنيل من سيادتها- صار سبباً لدفع قطر لانتهاج سياسة معاكسة تماماً، حتى يخال لي أن القطريين سيحولون يوم 5 يونيو/حزيران 2017 إلى يوم استقلال جديد للدولة، لكي تضع عنها عبء التبعية للقرار الخليجي الهزيل في غالب المجالات والأصعدة.

لا أشك لحظة في أن الأمور تتجه نحو هذا المسار، وتأكيدات أمير قطر -في خطاباته الأخيرة وخاصة خطاب افتتاح دور الانعقاد الجديد لمجلس الشورى لهذا العام- أفادت بأن قطر لن ترجع كما كانت قبل 5 يونيو/حزيران 2017.

وتلك إشارة واضحة إلى أن قطر تغيرت، بل ولا بد أن تتغير وتأخذ بزمام أمرها وتتولى هي بنفسها جميع أمورها، وتتجه نحو الاستقلالية في القرار السياسي والاقتصادي، بعيداً عن تأثيرات هذا وذاك من المحيط إلى الخليج، ولا سيما دول الحصار.. "فنحن بألف خير بدونها"؛ هكذا قال أمير قطر.

ورغم أنها عبارة موجزة؛ فإنها أوضحت الكثير واستشرفت مستقبل دولة تريد تعزيز مكتسباتها، والعمل على ديمومة تنميتها بخطوات واثقات، دون تبعية أو وصاية من هذا وذاك وتلك. هكذا حولت قطر محنة الحصار إلى منحة، واعتبرتها فرصة ثمينة يجب عدم التفريط فيها..، وهكذا كان وهكذا سيكون بإذن الله.

المصدر : الجزيرة