ثيلر ونظرية التحفيز.. الطريق نحو القرار الأفضل
آخر تحديث: 2017/10/12 الساعة 18:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/12 الساعة 18:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/22 هـ

ثيلر ونظرية التحفيز.. الطريق نحو القرار الأفضل

أبحاث ثيلر ألقت الضوء على تأثير الجانب النفسي على القرارات الاقتصادية (رويترز)
أبحاث ثيلر ألقت الضوء على تأثير الجانب النفسي على القرارات الاقتصادية (رويترز)

ألقت أبحاث ريتشارد ثيلر -الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2017- الضوء على تأثير الجانب النفسي على القرارات الاقتصادية، وأثبتت كيف أن بعض الصفات البشرية تؤثر بشكل منهجي على القرارات الفردية وتوجهات السوق، وقد وجدت هذه الأبحاث انتشارا بين صفوف السياسيين ورجال الأعمال لدورها في تشجيع وتحفيز الناس على اختيار ما هو أفضل، دون أن يشكل ذلك تهديدا لحرية الاختيار لديهم.

وابتكر ريتشارد ثيلر نظرية "التحفيز" أو الـ "دفعة"  أو "التنبيه" وبتعبير آخر "يد العون" التي تهدف إلى تصحيح النواحي غير العقلانية في سلوك المستهلكين والمستثمرين على السواء، وتوجيه اختياراتهم بطريقة سلسة ومرنة نحو ما هو أفضل بالنسبة إليهم ولأسرهم.

كيف ذلك؟
بالنسبة لثيلر ومعه منظرو الاقتصاد السلوكي فإن "الإنسان الاقتصادي" -ذلك الكائن الخيالي الذي يفكر دائما بعقلانية ومثالية- تحركه القوانين الاقتصادية وحتمياتها، وتحركه المنفعة الفردية وفق الخطاب الكلاسيكي، فهذا الإنسان لم يعد موجودا.

وعلى العكس من ذلك، فإن القرارات الاقتصادية التي يصنعها الأشخاص تتأثر بما يطلق عليه "الانحياز المعرفي" أي أنها تتأثر بالبيئة المحيطة والعواطف والغرائز.

ثيلر يعتقد أن الأشخاص لا يفكرون دائما بعقلانية بل يرتكبون الأخطاء، لذلك يتعين تصحيح هذه الأخطاء من دون الحد من حرية خيار الأشخاص، باعتبار ذلك أحد الحقوق الأساسية في مجتمعات اليوم.

هنا يدعو ثيلر في كتاب مشترك مع "كاس بي. ساستين" يحمل اسم "التحفيز.. تحسين القرارات المتعلقة بالصحة والثروة والسعادة" إلى تدخل "طفيف" يعرف بعبارة "الأبوية التحررية " حيث يحتفظ الفرد بحرية التصرف، غير أنه يتم تحفيزه لسلوك طريق صحيح، تماما مثلما يفعل رب الأسرة مع أطفاله لتوجيههم لما هو أفضل.

برأي ثيلر-أحد مؤسسي الاقتصاد السلوكي الحديث- فإنه يكفي من أجل ذلك أن يتلقى الشخص "تحفيزا".

لقد عرف الباحث نظريته على أنها نسخة معدلة ومرنة "للأبوبة". إنها مقاربة فلسفية للحكامة العامة والخاصة تهدف إلى مساعدة الناس على اتخاذ القرارات التي تحسن حياتهم دون تقويض حرية الآخرين.

أبحاث ثيلر فتحت الباب أمام تأسيس وحدات للتحفيز لمساعدة المواطنين على اتخاذ قرارات صحيحة (غيتي)

ويقول ثيلر في كتابه "من خلال معرفة كيف يفكر الناس، يمكننا أن نيسر عليهم اختيار ماهو أفضل لهم ولأسرهم ومجتمعهم".

نماذج
ومفهوم "التحفيز" أو "الدفع" لدى استخدامه في مجال السياسة التي تنهجها الإدارات العمومية، فهو يعني تلك العمليات التي تهدف إلى تغيير سلوكيات الناس دون أن تحد جذريا من خياراتهم.

من أجل ذلك، أصبحت أفكار ثيلر شائعة بين صفوف السياسيين الغربيين الذين يسعون إلى تشجيع مواطنهم العيش بشكل جيد دون أن يواجهوا غضب الناخبين بشأن رفع الضرائب أو حظر بعض السلوكيات بشكل واضح.

لقد فتحت أبحاث ثيلر الطريق الباب أمام تأسيس وحدات للتحفيز (التنبيه) كان أولها في بريطانيا على عهد حكومة رئيس الوزراء ديفد كامرون عام 2010، لتتلوها تجارب أخرى في نيويورك وسنغافورة وسيدني، في حين تتطلع دول أخرى للاقتداء بهذه الأفكار.

ومن الأمثلة الشهيرة للانحياز المعرفي مقولة إن "الخوف من الخسارة أكبر من الأمل بالفوز".

هكذا ولأجل صناعة قرار جيد، يجب مثلا تجنب قول "من خلال توفير الطاقة ستجني 30 يورو" ولكن لنقل "إذا لم تحذر فسوف تفقد 30 يورو) بهذا العرض الأخير فقط يمكن تحقيق وفورات كبيرة في الطاقة.

ثيلر إذن أبرز من خلال أبحاثه كيف أن الخوف من الخسارة يجعل الأشخاص يقدرون الأشياء إذا كانوا يملكونها أكثر مما لو كانوا لا يملكونها.

ويمكن العثور على مثال جيد لنظرية "الدفع" في سياسة التقاعد بالمملكة المتحدة. فبهدف زيادة معدلات الادخار لأجل المعاشات التي انخفضت بشكل مثير لـ القلق بين العاملين بالقطاع الخاص، كلفت الحكومة أرباب العمل بوضع نظام "التسجيل التلقائي" عام 2012.

وهذا يعني أن العمال سيوضعون تلقائيا على نظام الشركة وستخصم الاشتراكات من رواتبهم، مالم يطلبوا رسميا إعفاءهم منها.

وطبقا لهذه النظرية فإن الكثير من الناس يريدون بالفعل أن يضعوا المزيد من المال جانبا من أجل التقاعد، لكنهم يؤجلون ذلك بسبب قرارات معقدة.

بيد أن فكرة التسجيل التلقائي سهلت على الموظفين فعل ما يريدونه حقا ومن ثم رفعوا مدخراتهم.

المصدر : وكالات,مواقع إلكترونية