حبات العقد الإماراتية المتناثرة في القرن الأفريقي

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

حبات العقد الإماراتية المتناثرة في القرن الأفريقي

خريطة القرن الأفريقي (الجزيرة)
خريطة القرن الأفريقي (الجزيرة)

أمين محمد حبلا-الجزيرة نت

بعد سنوات خصاب اخضرت فيها سنابل الإمارات في القرن الأفريقي، وامتدت أذرعها الطويلة على شطآنه وفوق أرضه وفي سمائه؛ يبدو أن علاقات الإمارات بساسة القرن الأفريقي وشعوبه تتجه نحو سنوات عجاف مجدبة تنغلق فيها المنطقة أمام هذا الوافد، بعد أن تبدت لهم وعوده ومشاريعه كبروق خُلَّب في سمائهم الصافية.

فقد ظهرت عدة مؤشرات في الآونة الأخيرة تشي بأن أفارقة "القرن" بدأت صدورهم تضيق ذرعا مما يصفها العديد منهم بالممارسات والتدخلات الإماراتية التي تخفي مطامع أوسع وأهدافا أعمق، تغذ السير وتحث الخطى نحوها دون تدرج؛ وقديما قيل إنما تُقَطّع أعناقَ الرجال المطامع، وما ينطبق على الرجال يسري بالضرورة على الدول وسياساتها.

وتتعلق أهم هذه المؤشرات بفسخ عقود في بلدين مهمين في القرن الأفريقي مع موانئ دبي أحد أهم الأذرع الاقتصادية لدولة الإمارات، كانت تدر أرباحا وتوفر حضورا جيوسياسيا للدولة في منطقة ازداد التكالب الإقليمي والدولي عليها في السنوات الأخيرة.

خيوط متشابكة
تمكنت الإمارات خلال السنوات الماضية -وربما في غفلة من العديد من الفاعلين الإقليميين والمحليين- من إيجاد مواطئ أقدام لها في أغلب دول القرن الأفريقي، وتحقيق شراكات متعددة تنوعت بين الحضور الاقتصادي الذي تقود قاطرته موانئ دبي، والعسكري عبر استنبات قواعد عسكرية لا تتوفر الكثير من المعطيات عن أهدافها ومجالات تركيزها، وإن تم تسويقها غالبا في الأوساط المحلية عبر ذرائع تدريب الكوادر العسكرية المحلية ورفع الكفاءة العسكرية للدول المستضيفة.

وتعد إرتيريا من أبرز الأمثلة على نمط الحضور الإماراتي في المنطقة الذي يحاول المزج بين الحضور العسكري وأدوات القوة الناعمة؛ حيث حصلت على عقد إيجار لمدة ثلاثين عاما للاستخدام العسكري لميناء عصب العميق ذي الموقع الإستراتيجي المهم، ومطار عصب المجاور الذي بإمكانه استقبال طائرات النقل الكبيرة.

وأظهرت الصور الجوية في الآونة الأخيرة انتشارا كبيرا للسفن العسكرية الإماراتية على طول الشريط الساحلي لإرتيريا بما في ذلك منطقة الميناء، كما تظهر الأقمار الصناعية عمليات بناء جديدة في مطار عصب، وانتشارا للدبابات القتالية من نوع ليكليرك والطائرات المقاتلة ميراج 2000 والمروحيات والطائرات المسيرة على طول 3500 متر.

وأشار خبراء في مؤسسة ستراتفور الأميركية المتخصصة في التحليل الاستخباراتي، إلى أن وجود أبو ظبي في ميناء عصب طويل المدى ويتجاوز الدعم المؤقت للعمليات العسكرية في اليمن.

كما عززت أبو ظبي انتشارها في الصومال مستغلة حالة الانقسام بين حكومة الصومال المركزية وأرض الصومال غير المعترف بها، ووقعت اتفاقيات عدة من بينها استئجار مطار وميناء بربرة، وهو ما رفضته الحكومة المركزية وقاد صوماليين إلى تنظيم وقفات احتجاجية رفضا لممارسات الإمارات في بلادهم.

ولم تكن جيبوتي بمنأى عن المطامع الإماراتية، إذ سعت الإمارات إلى إيجاد موطئ قدم لها في بلد اشتهر بأهمية موقعه الإستراتيجي وكثرة القواعد العسكرية الأجنبية فيه.

وعلى الضفة الأخرى من شاطئ البحر الأحمر وخليج عدن، تنعكس الحال ذاتها في اليمن، حيث استغلت الإمارات أجواء الحرب الحالية للسيطرة على عدد من الموانئ اليمنية، وفي مقدمتها ميناء عدن الذي سبق أن ألغت حكومة اليمن -بعيد الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح- العقد الممنوح بشأنه لموانئ دبي.

ولا ينفك ما تقوم به الإمارات في اليمن عن الممارسات ذاتها في القرن الأفريقي، فما تفعله هناك -بحسب الإكونوميست- هو جزء من إستراتيجية أكبر هدفها التهام الموانئ على طول أحد أكثر طرق الشحن البحري ازدحاما في العالم.

انفراط العقد
ورغم أن التململ داخل القرن الأفريقي من الدور الإماراتي كان يختمر منذ فترة، فقد تسارعت وتيرة رفض هذا الحضور وبشكل علني خلال الأسابيع الأخيرة، وكانت البداية حين أعلنت جيبوتي إنهاء عقد الامتياز الممنوح لشركة "موانئ دبي العالمية" والقاضي بأن تشغل الشركة الإماراتية لمدة خمسين عاما ميناء "دوراليه" للحاويات، أكبر ميناء أفريقي للحاويات على البحر الأحمر.

وظلت الإمارات تدير الميناء منذ عام 2006، ولكن الجيبوتيين فسخوا العقد أخيرا بسبب ما بات يلحقه تشغيل موانئ دبي بسيادة البلد من انتهاك، وباقتصاده من أضرار، كما أنهم رفضوا قبل ذلك إقامة قاعدة عسكرية إماراتية في بلادهم.

وأبلغ مسؤولون جيبوتيون الجزيرة نت بتفاصيل عن أسباب إلغاء إدارة الإمارات لمحطة حاويات "دوراليه"، وقالوا إن ملاحق عقد الامتياز الذي كان ممنوحا لشركة موانئ دبي وتفاصيله تضمنت شروطا مجحفة، من بينها منع توسعة مباني الميناء أو إقامة أي مبان جديدة، كما أن حصص التملك المتفق عليها لم تكن هي نفسها في توزيع الأرباح، فضلا عن جعل الإدارة المالية في يد شركة موانئ جبل علي بمجموعة موانئ دبي العالمية.

وحتى إن تمكنت موانئ دبي لاحقا من العودة إلى جيبوتي عبر التحكيم الدولي أو بتفاهمات جديدة، فالراجح أن الجيبوتيين لن ينسوا تصريحات رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية سلطان أحمد بن سليم، التي قال فيها: جعلنا من الجيبوتيين بشرا، ولكننا سنرجعهم كما كانوا.

ولم تقتصر انتفاضة القرن الأفريقي ضد الوجود الإماراتي على جيبوتي، فقد لحقت بها الصومال التي استثمرت فيها الإمارات سنين عديدة، قبل أن يتبدى للمسؤولين الصوماليين ما جعلهم يشكون في الدور الإماراتي ويعتبرونه خطرا على سيادة بلادهم.

ففي مطلع مارس/آذار الجاري، وقعت شركة موانئ دبي مع كل من إقليم أرض الصومال (مناطق بشمال الصومال أعلنت انفصالها عن بقية الصومال من جانب واحد عام 1991) وإثيوبيا، بشأن الإدارة والاستثمار في ميناء بربرة على ساحل البحر الأحمر، وتوزيع حصص العائدات بواقع 51% لموانئ دبي و30% لأرض الصومال و19% لإثيوبيا.

وعلى الفور رفضت حكومة الصومال الاتفاقية الثلاثية واعتبرتها "باطلة وغير قانونية"، ولاحقا وافق أعضاء البرلمان الصومالي بأغلبية كبيرة على قرار يمنع شركة موانئ دبي العالمية من العمل داخل الأراضي الصومالية، كما تقدمت حكومة الصومال بمذكرة احتجاج إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تطالب فيها برفض اتفاقية بربرة.

لا يبدو وضع الإمارات بخير في القرن الأفريقي، فهي تواجه منافسة في إرتيريا من خصوم لها من بينهم إيران، كما أن إثيوبيا وإن كانت اشتركت معها في اتفاقية ميناء بربرة بأرض الصومال فإنها تنظر بريبة وتوجس إلى حضورها في القرن الأفريقي.

أما دولتا الصومال وجيبوتي فقد انقلبت العلاقة معهما إلى توتر بعد أن اتضح لهما كم هي مجحفة عقود الإماراتيين الذين -وفق مراقبين- يتعمدون تعطيل الموانئ التي يحتكرونها، خشية ازدهارها وتأثيرها سلبا على الموانئ الإماراتية.

المصدر : الجزيرة + وكالات